الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

90

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 38 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 38 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) أي في المكان ، قبل أن يخرج ، وقد نبّهه إلى الدعاء مشاهدة خوارق العادة مع قول مريم : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [ آل عمران : 37 ] والحكمة ضالة المؤمن ، وأهل النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون ، فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبانه ، وقد كان في حسرة من عدم الولد كما حكى اللّه عنه في سورة مريم . وأيضا فقد كان حينئذ في مكان شهد فيه فيضا إلهيا . ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمكنة بما حدث فيها من خير ، والأزمنة الصالحة كذلك ، وما هي إلّا كالذوات الصالحة في أنها محالّ تجلّيات رضا اللّه . وسأل الذرية الطيّبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول الآثار الصالحة النافعة . ومشاهدة خوارق العادات خوّلت لزكرياء الدعاء بما هو من الخوارق ، أو من المستبعدات ، لأنّه رأى نفسه غير بعيد عن عناية اللّه تعالى ، لا سيما في زمن الفيض أو مكانه ، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزا لحدود الأدب مع اللّه على نحو ما قرّره القرافي في الفرق بين ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز . وسميع هنا معنى مجيب . [ 39 - 41 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 39 إلى 41 ] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) الفاء في قوله : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت . وقوله : وَهُوَ قائِمٌ جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته ؛ لأنّ دعاءه كان في صلاته . ومقتضى قوله تعالى : هُنالِكَ والتفريع عليه بقوله : فنادته أنّ المحراب محراب مريم . وقرأ الجمهور : فنادته - بتاء تأنيث - لكون الملائكة جمعا ، وإسناد الفعل للجمع